السبت، 23 أبريل 2011

علموا أولادكم القضية


يدور الحديث هذه الأيام فى أروقة مقر الجامعة العربية بميدان التحرير عمن سيخلف السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة، وبغض النظر عن الشخصية التى ستخلفه، إن كنا راضين عنها أو رافضين لها، فالأكيد أن وجوده على رأس المنصة يقود حوارات القمة، لن يغير من واقع العرب الممزق شيئاً، فماذا فعلت جامعة الدول العربية منذ نيف وستين عاماً، بالتحديد عام 1948 حين زرع الخنجر فى خاصرة الأمة العربية؟ كما قال ونستون تشرشل، وماذا فعلت الجامعة العربية حين احتلت إسرائيل الجولان السورية وسيناء المصرية فى عام 1967؟ وماذا فعلت الجامعة العربية حين وقعت مصر والأردن اتفاقيتى السلام مع إسرائيل منفردتين كل فى زمانها؟

وماذا فعلت الجامعة العربية حين اجتاحت قوات الإرهابى شارون لبنان عام 1982؟ وماذا فعلت الجامعة العربية حين اجتاحت قوات صدام حسين الكويت عام 1990؟ وماذا فعلت الجامعة العربية حين اجتاحت قوات التحالف العراق وأتمت القوات الأمريكية احتلاله عام 2003؟


كيف تصرفت القمم العربية إزاء ما حدث للمهجرين الفلسطينيين الذين أخرجوا من ديارهم، واحتلت أرضهم وشردوا فى شتى بقاع الأرض: أليسوا عرباً؟ أليست قضيتهم هى القضية المحورية، بل هى أم القضايا العربية والإسلامية!


لقد نسينا فى خضم الأحداث الدائرة فى وطننا العربى القضية المصيرية، قضية الصراع الأزلى بين الصهيونية والعالم الإسلامى، فكانت قضية هذا الصراع إسلامية، ثم أصبحت عربية تختص بمناقشتها وفود الدول العربية فقط، وسمى الصراع منذئذ الصراع العربى الإسرائيلى، وتولت الجامعة العربية فى مؤتمرات القمة المتوالية، والاجتماعات المتعددة على مستوى الوفود تحويلها إلى قضية فلسطينية، وحسبما تأتى الأوامر من السادة الحاكمين الفعليين للإقليم كله يكون تصرف القائمين على هذه الجامعة (التذكارية)! فقد مزقت الدول العربية كل ممزق، وأريد لكل منها على حدة أن تتصرف حكومتها كما يملى عليها لتقوم بدورها المرسوم لها لا تحيد عنه قيد أنملة، والعدو يعربد ويقتل ويشرد، ويستولى على الأرض وينتهك العرض، ويعلم أطفاله منذ الصغر عقيدة الأرض الموعودة ويرسخ فى أذهانهم عداوة العرب والمسلمين وكراهية كل ما هو فلسطينى، فى حين أن وزارت التعليم فى أغلب الدول العربية قد استجابت للأوامر الصادرة إليها، فأنست التلاميذ قضيتهم الرئيسية وحذفت آيات الجهاد من كتب الدراسة، لينعموا بعد حذفها ويتغنوا بترانيم السلام ومحبة الجار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


واندلعت سلسلة الثورات فى العالم العربى، بداية من تونس مرورا بمصر واليمن وسوريا ثوراتٍ على الحكام الموالين لإسرائيل حتى وإن أبدى بعضهم العداوة لها، فالأسد السورى قائد الصمود والتحدى أصبح أرنباً، يطالب بمفاوضات السلام المباشرة وغير المباشرة، ولم تطلق قواته وقوات أبيه رصاصة واحدة لتحرير الأرض المحتلة فى الجولان رغم احتلالها منذ أربعة وأربعين عاماً، والآن يطلق (شبيحة) جيشه الرصاص على صدور رؤوس الثوار السوريين المسالمين لأنهم طالبوا بخلعه! والشاويش اليمنى عمل قبل أن يترأس البلاد فى جهاز المخابرات المسخر لخدمة المصالح الإسرائيلية فى المنطقة وأيضاً يطلق جيشه الرصاص على صدور شعبه، ويقتلهم بالغازات السامة، وكذلك فعل الرئيس المصرى المخلوع عندما باع الأرض والغاز لأعداء الأمة بأبخس الأسعار.


إن الضمان الوحيد للنجاة مما نحن فيه من الفتن والنعرات الطائفية والأحوال المزرية، واسترداد كرامتنا التى سلبت منا قهراً وظلماً منذ ما يزيد عن ستين عاماً، هو أن نعمل على تغذية وعى الأجيال القادمة بثقافة هذا الصراع التاريخى، وحقائق المرحلة التى استولت فيها الصهيونية على فلسطين وأقامت بها دولة الظلم والعنصرية، وهى ما زالت تراهن على الزمن الذى تظن أنه يعمل لصالحها، ولكننا كعرب وكمسلمين، حقاً وفعلاً وقولاً يجب أن نوقن بأن الزمن يعمل لصالحنا، فلا يضيع حق وراءه مطالب، شريطة أن نعلم أولادنا القضية، فهى قضيتنا جميعا كمسلمين قبل أن تكون قضيتنا كعرب وهى الميراث المقدس الذى سترثه الأجيال القادمة لتحمله أمانة فى أعناقها، إلى أن يتحقق النصر على العدو بإذن الله.


والغرب تحالف دائماً مع الكيان الصهيونى، حتى وإن أظهر لنا الوجه المنافق الذى يزعم به أنه يناصر حرية الأديان والمعتقدات وحرية الرأى إلى آخر هذه الحريات المزعومة، فالغرب فى حقيقة الأمر يعتبر نفسه خصماً للشرق الإسلامى، لأنه يرى فى الإسلام البديل الوحيد له، حضارياً وإنسانياً، ولذلك حرص الغرب على زرع الكيان الصهيونى فى فلسطين، وتتابعت السنوات وتولت الجهود السياسية من قبل زعماء الغرب ترويض ساستنا العرب فى مصر والأردن والمغرب وسوريا وفى كل بقاع العام العربي، على الانصياع للأوامر الصادرة إليهم، فأطاعوا صاغرين بغية الاحتفاظ بمناصبهم وثرواتهم المكدسة فى بنوك أوروبا وأمريكا، وتحولت قضية فلسطين كما قلنا بمرور الوقت من قضية إسلامية إلى عربية ثم إلى فلسطينية، وهو تحول خطير فقد أصبح الدفاع عن فلسطين مهمة الفلسطينيين وحدهم، بعد أن استطاع دهاة اليهود وساستهم حصر دائرة الاهتمام بفلسطين على الفلسطينيين فقط، وتم بدهاء شديد تفريغ الأجيال العربية من الاهتمام بقضية المصير، واختفت معالم القضية عن وعى الأجيال العربية، ودخلت فى نفق مظلم بعزلتها عن العالم الإسلامى، ولا خروج من هذا المأزق إلا بالعودة بالقضية إلى الساحة الإسلامية، إن الأمل الحقيقى للعودة بها إلى الساحة هو فى الشعوب العربية التى أدركت بعد طول سبات تخاذل حكوماتها ووقوفها مع الكيان الصهيونى، فالشعوب أبدا لن تموت، ولا بد أن يخرج من رحم الأمة رجلا له مقومات صلاح الدين، كى يقود زحفا تدافع به تلك الشعوب عن حرماتها التى استحلت ومقدساتها التى تدنست، وكرامتها التى سلبت، كما فعلت كل الشعوب الحرة من قبل، وحينها فقط سيتحقق وعد الله ويكون هلاك عصابات الإفساد اليهودية الذى ذكره القرآن على يد هذه الشعوب الحرة التى تطالب بانتهاء دولة اليهود كما قال عز من قائل: (فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) 104 ـ الإسراء.


وبذلك نسترد الأمل فى تحقيق النصر النهائى على قوى البغى والعدوان الشيطانية الصهيونية الأمريكية، وليكن شعارنا فى المرحلة القادمة، كما قال الدكتور الراحل عبد الصبور شاهين: علموا أولادكم القضية، والله من وراء القصد.

أنا هارشح نفسى للرئاسة

لا تستغربوا من العنوان الذى قد يبدو صادمًا لكثيرٍ منكم، فمن حقى وحقك أخى الشاب ألا نقف فى صفوف المشاهدين أو المتابعين، نشاهد الحملات الانتخابية والكلمات الرنّانة والوعود الذهبية من كل مرشح، ومع كامل احترامى لجميع المرشحين الذين أعلنوا نيتهم للترشيح للرئاسة، لم أجد فيهم من يمثلنى أو يشعر بما فى داخلى كشاب مثل كل الشباب، ضاعت أحلامه وحياته على أعتاب قصر مبارك وحاشيته.

جميع المرشحين للرئاسة تجاوز عمرهم السبعين باستثناء المستشار هشام البسطويسى، وبالتالى لن يشعروا بمشاكلنا كما نعيشها، ومقترحاتهم لحل هذه القضايا ونتيجة ما سمعت من بعضهم هى حلول تقليدية وغير فعّالة، وتحقيقها مرتبط بوجود شخص معين كرئيس، ولا يرتبط بسياسة دولة.


لأن مصر من المفروض أن يكون لها أسلوب واضح فى الإدارة تتبعه كل مؤسسات الدولة، وأن تصبح سياساتها واضحة لا تتغير بتغير الأشخاص والمناصب، وأن يصبح لنا منهج نسير عليه، وأن نتعلم كيف نخطط للمستقبل البعيد، وأن نبنى لأولادنا قبل أن نبنى لأنفسنا، فإصلاح التعليم لن أجُنى أنا ومن فى سنى ثماره، بل ثمارهُ سيجنيها الجيل القادم، وكذلك إصلاح الزراعة والصناعة والتوسع العمرانى أو ما اقترحه الدكتور فاروق الباز تحت مسمى (محور التنمية) وغيرها من المشاريع الحقيقية العملاقة.


لم أجد من المرشحين من يتحدث عن الصحراء الغربية المليئة بالثروات البترولية وأراضٍ كثيرة تصلح للزراعة، لم أجد منهم من يضع خطة لتطهيرها من الألغام، أو مقاضاة الدول التى وضعت هذه الألغام بها، لم أجد أحداً منهم يتحدث عن الصعيد وعن مشاكله، وكيف سيشجع المستثمرين الذين يعلنون نيتهم فى الاستثمار فى هذا الجزء المهمل من مصر لعقود طويلة.


لم أجد منهم من يتحدث عن محافظتى الوادى الجديد ومرسى مطروح، هاتان المحافظتان ذات الكثافة السكّانية المنخفضة، لم أجد أحداً منهم يتحدث عن طرق جذب المواطنين للعيش فى هذه المدن، ولم أجد أحداً يتكلم عن سيناء ووضعها الحالى، ويعترف بأن سيادة مصر على سيناء منقوصة وغير كاملة وتجب إعادة النظر فى بعض بنود كامب ديفيد، أو يشرح وجهة نظره فى كيفية مساندة القضية الفلسطينية بصفتنا مساندين ومؤيدين لها، وليس بصفتنا وسيطا يقرب وجهات النظر بينها وبين المحتل.


الحلول التقليدية والإجابات الدبلوماسية لم تعد تجدى، نريد ثورة فى الأفكار، وشجاعة فى الإقدام، ولا نشغل أنفسنا (بالدولة العلمانية أو الدينية)، لأنها شعارات لكسب التأييد، وستار يخفى وراءه الكثير والكثير لأصحاب المصالح والأهواء.

الاثنين، 11 أبريل 2011

فن إهدار الثورة!


كانت ثورة عظيمة، لكنها لم تؤت كل ثمارها بسبب اختلال الأولويات وغياب الرؤية، بعدها مباشرة كان يمكن أن نسير فى طريق بناء الدولة الوطنية المستقلة التى تمتلك مشروعاً تنموياً علمياً يجعلها فى مصاف الدول المتقدمة، لكنها بدلاً من أن تفرز مشروعاً وطنياً واحداً تتعدد الاجتهادات فى سبيل تحقيقه، أنتجت مشاريع متناقضة كلها يظن أنه يحتكر الوطنية، وبدلاً من أن تستمر روح القيادة الجماعية التى أدت إلى نجاحها وجعلها نموذجاً مشرقاً فى تاريخ الثورات، غلبت عليها للأسف روح الصراعات، واستبد كل قائد من قادتها برأيه فدفعت مصر ثمناً باهظاً بسبب ذلك، وفى خلال شهور اختفت روح الوحدة الوطنية التى كانت سمة غالبة على المصريين لتعلو نبرة الانشقاق فى الشارع وتتطور إلى مصادمات عنيفة أدمت القلوب.
لا أتحدث عن ثورة الخامس والعشرين من يناير، حماها الله من كل سوء، بل أتحدث عن ثورة 1919 بالمناسبة، وإذا اندهشت من أننى أقول ذلك عنها، فأرجوك أن تقرأ كتاباً مهماً اسمه «فصل مجهول من تاريخ ثورة 1919» للمؤرخ الكبير الدكتور حمادة محمود إسماعيل، صدر عام 1994 عن سلسلة (مصر النهضة) التى تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، لترى كيف تحول اثنان من زعماء ثورة 19 وهما سعد زغلول وعدلى يكن من صديقين حميمين إلى عدوين لدودين بسبب اللجج فى الخصومة واعتقاد كل منهما أنه يخدم الوطن أكثر من غيره، وعدم قدرة الاثنين ومن حولهما على الاتفاق على خارطة طريق وطنية يجتمع حولها المصريون،
وفى حين كان الخلاف يستعر بين الاثنين وفريقيهما كان كل فريق حريصاً على الحديث عن أهمية الاتحاد وخطورة الفرقة، لكن الموقف أخذ يتدهور يوماً بعد يوم خاصة بعد أن بدأ تبادل الاتهامات فى الخطب والتصريحات، وفى حين ينحاز بعض المؤرخين إلى سعد والبعض الآخر إلى عدلى، فإننا نجد رجلاً معاصراً للفترة مثل أحمد شفيق باشا يكتب فى (حوليات مصر السياسية) محملاً المسؤولية للرجلين معا وقائلا «.. لكن اللذين وضعا أول حجر فى اتحاد الأمة وأقاما عليه الأساس حتى كاد يكمل البناء مضيا فى هدمه وقضه حجرا على حجر، واستمرا فى خلافهما وهما يشعران بانحلال رابطة الأمة من حولهما ولا يرجعان عن خلافهما»، بالطبع كما يلاحظ الدكتور إسماعيل «لم يقف الإنجليز مكتوفى الأيدى بل ساعدوا على إشعال هذا الخلاف بكل ما استطاعوا، حتى وصلت البلاد إلى طريق مسدود وجلست البلاد على برميل من البارود كان يكفيه عود ثقاب لينفجر».
فى 29 أبريل 1921 انفجر مرجل الغضب فى طنطا عاصمة مديرية الغربية مسقط رأس سعد زغلول، كانت حكومة عدلى محرجة ولم ترغب فى إصدار قرار بمنع التظاهر لكى لا تظهر بمظهر من يحجر على حرية التعبير، كان ذلك اليوم يوافق يوم جمعة، وكانت قد خرجت بعد صلاة الجمعة من المسجد الأحمدى مظاهرة صغيرة لبعض طلاب المدارس الثانوية، وحصل احتكاك مع بعض رجال البوليس بقيادة مأمور قسم طنطا الذى أصدر أمراً بتشتيت المتظاهرين برشهم بالماء، فرشقوا القسم بالحجارة ثم أحرقوا سيارة بوليس كانت متواجدة أمام القسم فأصدر حكمدار المديرية أمراً بإطلاق النار فى الهواء للإرهاب، لكن جندياً مرتبكاً أطلق النار على المتظاهرين فقتل اثنين فى الحال، وأصيب أربعون، مات اثنان منهم فيما بعد، واتجه بعض المتظاهرين إلى منزل الحكمدار لإحراقه لولا أن تدخلت قوة من الجيش المصرى كانت قد استدعيت من القاهرة على عجل لدعم قوة البوليس.
بعدها وللأسف دخلت البلاد فى دوامة عنف مجنون امتدت إلى القاهرة بدءا من يوم 16 مايو ليسقط عدد كبير من القتلى والجرحى فى أول مصادمات بين المصريين وبعضهم البعض منذ ثورة 19. وكما يلاحظ الدكتور إسماعيل فقد «ساعد على توتر الأمور أن القاهرة كانت تشهد مظاهرات لعمال العنابر وشركة الترام الذين كانت لهم مطالب مهنية منذ فترة لم تتحقق، وعند عدم تحقيقها لجأوا إلى سلاح المظاهرات والعنف فأضافوا بعداً جديداً لهذه المظاهرات»، كان الموقف قد اشتعل عندما قبض حكمدار القاهرة على شاب اسمه أحمد مختار كان يتزعم مجموعة صغيرة من المتظاهرين فى شارع بولاق، وبعد هذه الحادثة صدرت أوامر حكومية بمنع المظاهرات، واستشعر مجموعة من المحامين وأعضاء الهيئات النيابية خطورة الوضع فى البلاد فوجهوا نداءً إلى الشعب بالتكاتف، لكن نداءهم لم يجد صدى، وفى يوم 18 مايو خرجت مظاهرة من منطقة الخازندار كان بها طلبة يحملون النبابيت والعصى واعتدوا على جنود قسم الأزبكية.
وفى نفس الوقت قام شخص مجهول بعمل فرقعة نارية داخل قطار فى شبرا وأطلق طلقات نارية وعندما حاول بعض الجنود القبض عليه تعرض جندى للطعن بمدية فى رقبته، واشتعلت مواجهات فى أحياء كثيرة فى القاهرة أصيب فيها ثلاثة ضباط وتسعة جنود وستة من عمال الترام، لتتجدد المظاهرات فى اليوم التالى وينتج عنها هذه المرة قتيل هو موظف تم طعنه بسونكى، ويصاب عدد كبير من المدنيين والضباط والجنود، لتشتعل حرب شرسة ضد ضباط الشرطة وجنودها فى يوم الجمعة 20 مايو، وتعلن حكمدارية العاصمة أنها «تبذل كل جهدها للبحث عن بعض الضباط والصف والجنود الذين اختفوا عقب مظاهرات الجمعة وأن الحكمدارية تخشى أن يكونوا قد قتلوا،
ويبدو أن هؤلاء بسبب شدة المظاهرات اضطروا إلى الاختفاء فى بعض الأماكن وهو ما أثار خوف وقلق الحكمدارية». بعدها بيومين وفى الإسكندرية انفجر مرجل آخر للغضب انتهى بمأساة راح ضحيتها العديد من المصريين والأجانب، برغم أن عدداً من الشخصيات الوطنية من أبناء الإسكندرية حاولت بكل جهدها السيطرة على الأمور لكى لا يقتل المصريون بعضهم بعضا، كان على رأس هؤلاء الأمير عمر طوسون أحد الشخصيات الوطنية التى كانت تحظى بتوافق كبير، والذى أصدر نداء إلى أبناء الإسكندرية جاء فى نصه «بلغنى مع أشد الأسف ما حدث من بعض الأشخاص غير المسؤولين أثناء المظاهرات السلمية مثل مهاجمة بيوت بعض المخالفين لكم فى الرأى والتقاذف بالأحجار فى الشوارع، الأمر الذى ما كنا ننتظر صدوره من أى مصرى،
ونحن قوم نريد الاستقلال ونطالب بالحرية، وأساس هذا المبدأ احترام كل فريق رأى الآخر وعدم الحظر على أحد وإن شذ فى رأيه وإذا لم نحترم هذا المبدأ فلماذا نشكو من ضغط الإنجليز على حريتنا ومصادرتهم لنا فى آرائنا. وكيف بعد ذلك تريد طائفة منا إرغام مخالفيها على اتباع رأيها بالقوة، فأرجوكم أشد الرجاء الإقلاع عن هذه الخطة التى تضر قضيتنا المقدسة أكبر ضرر وتشين سمعتنا وتحط بكرامتنا، وأناشد كل مخلص لوطنه محب لبلاده أن يجتهد فى منع ما يلصق التهم الباطلة بنا، وإننى لا أقول هذا انحيازاً إلى جانب الوزارة لأننى غير موافق على خطتها، ولكن الواجب هو الذى دفعنى أن أبين لكم الخطر الذى ينجم عن سلوك طائفة منا فى غير المسلك القويم، هدانا الله جميعاً إلى الصواب».
أتركك الآن لكى تتأمل كل ما سبق، وألتقيك فى الغد لنعرف هل استمع أحد إلى نداء الأمير عمر طوسون أم لا؟.

السبت، 26 مارس 2011

حرب المياه القادمة


نعم هى حرب المياه، سلاح أقوى من السلاح النووى، وأقوى جميع الأسلحة وحرب المياه القادمة، هى حرب من مخطط صهيونى خرج علينا فى الأيام الماضية رئيس وزراء أثيوبيا، وهى أكبر دول منبع النيل، والذى تحصل مصر منها على نسبة 80% من المياه، وأدلى رئيس الوزراء الأثيوبى ملس زيناوى قال أنا لا أخشى أن يغزو المصريون أثيوبيا، وأنه ماض فى بناء السدود العملاقة فى أثيوبيا، وأنه لا يخشى حرب مصر تدرون لماذا؟

لأنه لا يتكلم بلسانه إنما يتكلم بلسان اللوبى الصهيونى، والذى تغلغل فى دول حوض النيل بشكل ملحوظ ويمول الحكومة الأثيوبية وبقية دول حوض النيل، وفى سياق آخر زيارة وزير الخارجية الإسرائيلى أفيجدور ليبرمان إلى أديس أبابا، والذى تبين دعم إسرائيل لأثيوبيا ودول حوض النيل، وقال السفير الأثيوبى لدى إسرائيل العلاقة الإسرائيلية الأثيوبية تنمو فى شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياحة والاستثمار وشتى المجالات، وبين أن شركة الخطوط الجوية الأثيوبية تنقل ما بين (5:6) رحلات إلى إسرائيل أسبوعيا، وهذا كله يبين لنا العلاقة القوية بين إسرائيل ودول حوض النيل، وهى خطة صهيونية خبيثة وإسرائيل لديها خطة معروفة، وهى دولة من الفرات الى النيل، ونحن نعلم أن آخر دولة على النيل هى أثيوبيا، والذى بدأت فى بناء السدود على مياه نهر النيل، وأبرز هذه السدود سد تانابليز الذى تموله الحكومة الإيطالية بالاشتراك مع الحومة الأثيوبى، سد تيكزى والذى يبلغ ارتفاعه 188مترا سد كرادوبة وهو على الحدود.


هذه من أبرز السدود وبناء هذه السدود يشكل خطرا كبيرا على مصر بحيث تقل نسبة مصر فى الحصول على المياه بنسبة 40% فما هو الحل لهذه الأزمة؟ هل الخيار العسكرى، والذى سينهك مصر لسنوات، وبعد ذلك توصف بالإرهاب مثل غيرها وتحتل دون مقاومة؟


أم التفاوض ولا أعتقد سيجدى نفعا، وهو يجرى من 12 سنة ولم يصل إلى حل أم رفع الأمر للقضاء الدولى الذى أحباله طويلة جدا، وقد لا يكون فى صف مصر بضغط من إسرائيل، وهل ممكن حل المشكلة بعد أن قالت بعض دول حوص النيل مثل أوغندا سنؤدب الحكومة المصرية؟


وأخيراً للأسف كثير من الناس لا يعبأ بقضية مياه النيل كمسألة أمن قومى، وأخشى أن نظل فى نوم عميق حتى نفاجأ يوما عندما نفتح حنفيات المياه ولا نجد مياه شرب.

الاثنين، 7 مارس 2011

القذافى الخرافى

أصبح للمواقع و الشبكات الاجتماعية دور هام فى خروج عشرات التعليقات الساخرة عن الأحداث السياسية التى تشهدها المنطقة العربية.
فبعد التعليقات الضاحكة التى خرجت مع الثورتين التونسية و المصرية وجدت على موقع الفيس بوك مجموعة من النكت و الفوازير و الأسئلة الساخرة عن معمر القذافى قائد الثورة الليبية كما يحب أن يصف نفسه وفقا لخطابه الأخير و الذى لا يعتبر نفسه بمثابة الرئيس.
و عقب انتهاء خطاب القذافى الجامبو الذى أخذ وقتا يصل إلى ساعة و ربع خرج تعليق على صفحة "طرائف القذافى" يفند الدروس المستفادة من خطاب القذافي كالتالى:

1- إنه عنده نظارتين.
2- إنه عنده شنبين (واحد فوق بؤه و التاني تحت بؤه).
3- إنه عنده عبايتين واحدة لابسها وواحدة متغطي بيها.
4- إن هو أصلاً مش رئيس ليبيا يتنحي ازاي؟
5- اني لازم اتعلم العربى الليبى.
6- إن كل المترجمين للقنوات الاجنبية يولعوا فى نفسهم دلوقت.
و مع تهديدات القذافى خرجت نكتة تصف جبروته قائلة :"القذافي عنده مزرعة فراخ.. دخل المزرعة لقي كل فرخة بايضة بيضة واحدة بس.. مسك فرخة من رجليها ونتف ريشها وقطعها.. وقال للفراخ اللي مش هتجيب بكرة خمس بيضات هقطعها زي الفرخة دي.. تاني يوم لقي كل الفراخ بايضة خمس بيضات ماعدا فرخة بايضة تلات بيضات بس.. فقال لها ايه ده؟؟ قالت له : استر عليا ده أنا ديك".
و نكتة أخرى تهكمت على طول الخطاب حيث جاء فيها إن الليبيين يهتفون : الشعب يريد إنهاء الخطاب.
و نكتة ثالثة تشير إلى إعلان التلفزيون الليبي عدم وجود مجازر في ليبيا وهذا كله مجرد اشاعات.. و جاءت التعليقات عليها .. هو أنس الفقي سافر ليبيا امتي؟
أما عن قول القذافى فى خطابه :إن السفن لا تريد أن تهبط بمطار ليبيا.. فعلق كاتب السطور عليها : يبدو أنه يقصد سفن فضاء.
و لجأ المشتركون فى صفحة "طرائف القذافى" إلى الحديث عن كفاح القذافى بشكل لاذع فبعد إلقاء الخطاب "ركب التوك توك بتاعه وراح يعمل دورين، راجل كسيب برضه".
 
و رغم سقوط مئات الجرحى و القتلى على يد القذافى إلا أنه تم تسجيل 50 حـالة وفـاة من الضـحـك حتـى الأن أثــنـاء بــث
كـلمة القــذافـي والعدد فــي تــزايد.
و كانت هذه احدى الطرائف المنشورة على الصفحة المذكورة.
بينما رأى البعض أن القذافى فى خطابه الأخير يؤكد أن "خير الكلام ما قل و شل".
و قد اشارت تعليقات إلى خروج أفلام توثق هذه المرحلة و منها فيلم : القذافى و التوك و التوك الطائر على قناة سبيس تون.
و على صورة لمعمر القذافى يظهر بها بتسريحة شعره المعروفة تم وضع التعليق التالى عليها :"احذركم من التعامل مع هذا المعتوه
حيث أنه خطيرجدا وعلى من يجده سرعة الاتصال بنا
مستشفى العباسية بس بتاعة ليبيا مش بتاعة مصر".
 
و انطلقت تعليقات أخرى تتناول شمسية القذافى منها على سبيل المثال : القذافي مش بس بجماهيريته... القذافي بالتوك توك بتاعه و شمسيته.
و فى إشارة للأنباء العاجلة جاء تعليق ساخر يقول "عاجل من قناة العربية: خطاب القذافى لم ينته بعد ولكنه توقف بسبب انتحار كل من المخرج والمنتج والمصور , وأنباء عن انتحار الراجل اللى قدم له المياه وبعض من الجماهير التى شاهدت الخطاب".
و تعليق آخر أشار إلى أن قناة الجزيرة قررت قطع بث خطاب معمر القذافى لأن حقوق البث محفوظة لقناة موجة كوميدى.
القذافى : ليبيا أصابتها عيــــــــــن!! .. هكذا جاء فى خطابه الذى يصفه كاتب السطور بالجامبو و يزيد أيضا خشيته من أن يخرج القذافى فى خطاب جديد يحمل مبخرة لتطرد عين الحسود التى أصابت بلده.
 
القذافى لو مكانش رئيس جمهورية كان ممكن يشتغل إيه ؟
هكذا جاء السؤال على الصفحة المذكورة وكانت الإجابات محصورة بين : رئيس مراجيح مولد النبى و رئيس سلاحف النينجا.
و نكتة خرجت تقول :سألوا القذافي عن الثورة ، فرجع برأسه إلى الوراء مفكرا بعمق ، ثم قال ببطء ممممم : الثورة هي .. أنثى الثور.
و عن القذافى والكتاب الاخضر جاء تعليق يؤكد بتهكم أن "فى ليبيا معندهمش سلاح التلميذ  أكيد معندهمش حاجه غير الكتاب الاخضر بتاع كله".
 
عاجل : القذافي يهرب إلى ليبيا.
و عن هذا التعليق أشار البعض إلى أنه من غير المستبعد توقع مثل هذا التصريح من شخص القذافى.
و بعد أن ظهرت عندنا صفحة "الراجل اللى ورا عمر سليمان" خرجت صفحة "الست اللى ورا القذافى" و شهدت كالعادة تعليقات ساخرة منها من يطالب" بتنحى الست اللى ورا القذافى ويتم تكريمها بعمل علبة سمنه ام طاقيه حمرا وعليها صورتها تكريما لها وتحدى".
و فى استرجاع لأكذوبة دجاج كنتاكى التى شهدتها ثورة 25 يناير خرجت تعليقات تشير إلى أن تم تغيير اسم دجاج كنتاكى إلى "دجاج القذافى"  و "الزعيم محمر الكنتاكى".
و شهدت الصفحة أيضا تعليقات ساخرة تشير إلى "الاسبوع اللى اعتذرنا فيه للراجل اللى ورا عمر سليمان سألنا فيه عن الست اللى ورا القذافى".
و "فى السنه اللى تنحى فيها مبارك...اشترى القذافي تكتك جديد من أبو شمسيه".
و قرر أحد المشتركين على الصفحة أن يكشف عن "سرالست اللى ورا القذافى" و جاء فى تحليله أن : "القذافى من الذين يؤمنون بالتنجيم و (ضرب) الودع وخلافه وقد قالت له احدى العرافات إن نهايته ستكون على يد أحد رجال حراسته الشخصيين ومن يومها وهو لا يعتمد إلا على المزز فى حمايته".
 
و عن اهتمام القذافى بألعاب الكمبيوتر القتالية جاءت على لسانه نكتة تقول : "كلاااااااااااااااب , خونة.....يطلعوا يشتموني في القنوات الاخبارية عشان بقتلهم في الشوارع , الحق عليا اني عاوز اوريهم لعبة كونتر سترايك ع الطبيعة".
و مع توالى سقوط حاكم وراء آخر .. علق مشترك بأن القذافى من العشرة المبشرين بــ "جدة".
و خرجت نكتة مستلهمة من طريقة الإعلامى عمرو أديب و تتحدث عن أن " بن علي ومبارك أرسلا للقذافي: عزيزي القذافي.. فلة. شمعة. منورة. إنت معنا".
و نكتة أخرى جاء فيها أن القذافي يصف خيار التنحي بالنسبة له بأنه " خيار مخلل".
أما النكتة الأخيرة فى سيل التهكم الذى يلاحق القذافى جاءت تقول :
"القذافي جمع كل علماء الجماهيرية الليبية و قال لهم" :يجب أن نتحدى الأمريكان فهم طلعو للقمر احنا نطلع للشمس..فوافق جل العلماء إلا واحد قال له:سيدي قائد الثورة الشمس ساخنة و قبل ما نصل نكون ذبنا و انصهرنا..فكان رد القذافي قويا و صفعه بشدة وقال:أصمت أيها الجاهل الاحمق .. احنا راح نمشي بالليل".
يا خوفى فى الخطاب القادم أن يعلن القذافى العداء على كاتب السطور بما عرضه بل و يصفه بأنه العدو الأكبر الذى يقف فى طريق الزحف المقدس الذى يتزعمه و دمتم سالمين.

السبت، 5 مارس 2011

أنت سيد قرارك


أى حياة تريد أن تحياها، حياة التعساء الكُسالى، ولا حياة المجددين الباحثين عن طريق أفضل، فحياتنا مليئة بالمنغصات والمشاكل التى لا حصر لها والتى قد تعكر صفو حياتنا من آن لآخر، وتسبب التوتر والقلق والعصبية، لكن لابد أن تدرك جيداً انك لست الوحيد فى هذا الكون الذى يعانى، هناك الكثيرين مثلك يعانون، هذا أمر طبيعى، ولكن الغير مقبول والغير طبيعى كيف ينظر كل منا إلى مشكلته، والكثير منا يقع فى خطأ فادح ألا وهو تضخيم الأمر الذى يواجهه، ويعيش داخل قوقعه مستسلم لما حدث له، رافعا الراية البيضاء معلنا ًمبكراً الانسحاب من الحياة رافضاً لكل ما هو إيجابى وهناك العكس من يعلم جيداً أن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، ومهما صادف من معوقات يتماسك ويحاول بدرجة من الهدوء السيطرة على مجريات أموره، وبشىء من العقلانية يستطيع أن يقف على أرض صلبه محاولاً بعزيمة الفرسان أن يقهر مشكلته.
يقول د. وليام جميس "هذه آخر كلماتى لك، لا تخف من الحياة، آمن بأن الحياة تستحق أن تعيشها، وسوف يساعدك إيمانك على تحقيق الواقع".
إن النجاح لا يأتى نتيجة صدفة إنما هو ثمرة جهد ومثابرة وكفاح طويل، تمسك بحلمك وتذكر أن هناك أشخاص غيروا العالم من خلال فكرة بسيطة لمعت فى أذهانهم وداعبت خيالهم وكانت فكرتهم فى البداية اقرب للوهم والسراب ولكن تمسكوا بها وعاهدوا أنفسهم على تحقيقها متحديين الصعاب والإحباطات، وتجاهلوا كل الانتقادات الساخرة والمحبطة من الآخرين وفى النهاية سجلوا أسمائهم بحروف من ذهب فى التاريخ.

ولكى تقود سفينة حياتك لابد أن تدرك جيداَ من أنت، وما هى قدراتك وهل هى كافية أم لا، لكى تتوجه الوجهة الصحيحة وأعلم جيداً أنك سوف تتعرض للعواصف التى قد تؤثر على اتجاهك لكن تذكر دائماً انك قائد السفينة وانك تتحمل كل العواقب والنتائج وأنت سيد قرارك، لكى تصل إلى بر الأمان.

قد يتبادر إلى ذهنك انك لا تملك عقلاً مثل عباقرة التاريخ لكى تقود سفينتك، بل العكس أنت تملك قدرات داخليه مدفونة مثلهم وأكثر ولكن حاول إيقاظها، أنت بداخلك مارد أيقظه يقول أوريسون سوت ماردن "تكمن داخل الإنسان قوى ساكنة، وهى قوى إن ظهرت فسوف تدهشه هو شخصياً، إذ لم يكن يحلم بأن تكون لديه مثل هذه القوى، وهى من القوة بحيث تحدث ثورات فى حياته لو تم إيقاظها وتوظيفها".

ثق تماماً أن تملك عقلاً راجحاً ولكن هذا ليس كافياً، المهم أن تحسن استخدام قدراتك العقلية و موهبتك الفطرية وتوظيفها بما يناسب الهدف الذى تسعى إليه ويجب أن تملك قدر من العاطفة تجاه هدفك يكون عوناً لك وحافزاً لتحقيق حلمك وتذكر دائماً أن الإنسان ليس بالقدر الذى يعرفه فى الحياة ولكن بما هو ملتزم به.

الثلاثاء، 8 فبراير 2011

لماذا يجب أن يتنحّى الرئيس فوراً؟


إذا كنت مصاباً بضعف الذاكرة لأنك لا تكثر من أكل المكسرات، أو لم تكن مقيماً معنا طيلة الثلاثين سنة الماضية، أو لأنك تحتاج لمن يذكرك لأن الذكرى تنفع المؤمنين، فدعنى أنقل لك إجابة بديعة على هذا السؤال من خلال مقال أرسله إلىّ الشاعر والروائى عمرو حسنى صاحب الرواية البديعة (تنفس صناعى)، وقد كنت أتمنى أن أنشر صورته مع المقال لكننى تذكرت أن صديقى عمرو يشبه ممثلا إيرانيا يظهر فى أفلام عباس كياروستامى والأدهى أن لديه سكسوكة فى ذقنه، وبالتالى قررت ألا أمنح عساكر أنس الفقى فرصة لاستخدام صورته فى تشويه الثورة، وأكتفى بنشر مقال عمرو حسنى على أمل أن تعم الفائدة وتزول الغُمّة:
«أعرف أننى شاعر وقاص لا يجيد التنظيرات والتحليلات السياسية، كما أننى لا أريد أن أثقل عليكم بما ينتابنى من مشاعر عاطفية غريبة، تجعلنى أتمنى لو أننى تمكنت من العودة بالزمن لأقنع جدى لكى يختار اسماً مختلفاً لأبى!
لكننى سأدع العواطف جانباً لكى أتمكن من التعامل بهدوء وعقلانية مع البعض ممن يطلقون دعوات للتسامح مع الرئيس ويقولون: لماذا لا يقبل الشباب بالتنازلات التى قدمها لهم؟ لم لا يمنحونه بضعة أشهر قليلة؟ لماذا يصرون على تنحيته بتلك الطريقة المهينة التى لا يقبلونها لآبائهم؟ ولماذا لا يعودون إلى منازلهم لكى يمنحوا عمر سليمان وأحمد شفيق فرصة للبدء فى الإصلاحات التى أقر سيادته بها؟
وللرد على ذلك أقول أولاً إن التنازلات التى قدمها الرئيس بالامتناع عن الترشح والتوريث وتعديل الدستور والقبول بأحكام القضاء ببطلان عضوية كثير من نواب الحزب الحاكم بالمجالس التشريعية، والتخلى عن سياسة الزج برجال الأعمال لتسيير شؤون البلاد وتغيير قيادات الحزب الوطنى، هى بمثابة اعتراف منه بالجرائم التى ارتكبت فى حقنا بمباركته طوال ثلاثة عقود، بدءاً من القمع والديكتاتورية وتزوير إرادة الشعب وصولاً إلى الفساد والنهب المنظم لثرواتنا.
ولا أريد أن أقول إن المطالبة بالتسامح فى هذه الحالة تعد نوعاً من البلاهة، لأنه لا حق لأحد فى التسامح فى جرائم ارتكبت فى حق الوطن، فالقاعدة القانونية البسيطة تقول: إنك لا تملك حق التسامح فيما لا تمتلكه بمفردك. ثانياً أن العواطف الرقيقة والتسامح الأبوى لا مكان لهما فى العقد الاجتماعى الذى يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكومين. وإذا افترضنا وجودهما جدلاً أو تجاوزاً، فأين اختفت مشاعر الأبوة تلك من قلب فخامة الرئيس (الأب) حين أصدر أمراً مباشراً لزبانيته باغتيال (أبنائه)، تارة بإطلاق الرصاص الحى لتفريق تظاهراتهم السلمية، وتارة أخرى بإطلاق البلطجية الذين يلقون بقنابل المولوتوف، ويستخدمون الأعيرة النارية لتصفية (أبنائه) المعارضين!
بعد كل ما سبق لا يسعنى إلا أن أقول مخلصاً، إن رحيل مبارك ونظامه القديم أصبح ضرورة لا بديل عنها، لأن بناء دولة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التى تمهد لقيام مصر الجديدة، لا يمكن أن تستخدم فى بنائها ذات الأحجار التى شُيدت بها دولة الديكتاتورية البوليسية القديمة، بل يجب علينا إزالة البناء القديم بأكمله أولاً، واقتلاع أساساته التى تختفى تحت الأرض، منذ عهد الاتحاد الاشتراكى وحزب مصر وصولاً إلى الحزب الوطنى، وذلك لكى يتسنى لنا الحلم بمستقبل أفضل، يتيح إقامة بناء لا يصبح عرضة للانهيار عند أول هزة أرضية تقوم بها عناصر الثورة المضادة.
 أما عن أولئك الذين يطلون علينا من آن لآخر على الشاشات ليقولوا لنا إن التظاهرات المليونية التى نقوم بها ليست كافية لإزاحة الرئيس عن كرسى الحكم، بدعوى أن بقية ملايين الشعب لم تقل كلمتها فى ذلك الأمر! فلهم نقول: لماذا لم يخرج علينا مؤيدو مبارك بالملايين أو بمئات الآلاف كما خرج معارضوه؟ ما الذى منعهم؟ فبعدما اختفت أعمال البلطجة التى أطلقتها قوى الحزب الوطنى ورجال الأعمال أتيحت الفرصة لجموع الشعب للتعبير عن رأيها فى تظاهرات سلمية طوال يوم جمعة الرحيل، لم يشارك فيها مؤيدو بقاء الرئيس ومحبوه سوى بآلاف هزيلة هنا أو هناك.
لذا نقول لهم: ألا يعد ذلك تعبيراً كافياً عن مكانة نظامه الحقيقية فى الشارع المصرى؟ أوَلَمْ تكن نسبة المتظاهرين فى القاهرة وحدها تقترب من خمسة آلاف مؤيد مقابل مليونين أو أكثر من الرافضين؟ أى أنها كانت نسبة (١: ٤٠٠ ) مؤيد واحد مقابل أربعمائة رافض! (ليسمح لى عمرو أن أضيف إلى إجابته نقطة أخرى هى أن الحزب الوطنى المبارك ظل يحكمنا بأقلية من الناخبين فى انتخابات مزورة مطعون فى شرعيتها، وكان يقول إن الذى يتخلى عن حقه فى المشاركة لا حق له فلماذا أصبح مهتماً الآن بفكرة الأعداد والأرقام).
فى النهاية أقول للرئيس مبارك إن أمامه فرصة لكى يذكره التاريخ كقائد تنازل عن السلطة من أجل دخول بلاده إلى عصر الديمقراطية، كما أتوجه إلى شعبنا العظيم بألا يضيق ذرعاً بإصرار شبابه المخلص المدهش الذى يقف صامداً فى ميدان التحرير، لأننى حين أستمع إلى تلك الأصوات التى تطالبهم بالعودة إلى ديارهم، بدعوى أن أحوالنا الاقتصادية صارت لا تحتمل المزيد، أشعر بأننا صرنا قوماً لا يريدون الخير لأنفسهم وبلادهم، وأقول لأصحاب تلك الأصوات: استمروا أيها السادة فى حياتكم اليومية بعيداً عن ميدان التحرير. لا أحد يمنعكم. لا تكونوا عبئاً على أكتاف قوى التغيير التى تعمل من أجلكم ومن أجل أبنائكم.
اذهبوا إلى أعمالكم ودعوا الطليعة الشبابية تقوم بدورها. فقط دعونى أذكركم أيها المتذمرون بالمثل المصرى البديع الذى يقول: وجع ساعة ولا وجع كل ساعة. واسمحوا لى أن أقول لكم أيضاً بأعلى صوتى: هذا واحد من أفضل الأجيال فى تاريخ مصر الحديثة، إن لم يكن أفضلها على الإطلاق، فاتركوه يحقق لبلادنا ما عجزت عن تحقيقه عشرات الأجيال الخائبة من قبلهم».

السبت، 5 فبراير 2011

أزهى عصور المولوتوف


أمر مثير للقرف والاشمئزاز ذلك التواطؤ الإعلامى السافر (بالراء واللام معا) الذى يمارسه فريق الخلايا الأمنية النائمة فى العديد من وسائل الإعلام المشمومة، والذين يستميتون فى تسويق وهم أن الذين يتظاهرون فى ميدان التحرير من أجل حرية المصريين وكرامتهم هم أعضاء فى تحالف شيطانى إخوانى إيرانى قطرى إسرائيلى أمريكى حماسى، ولم يعد ينقص سوى اتهام كوريا الشمالية لكى تكتمل أضلاع محور الشر. فى الماضى كنا نناشد أمثال هؤلاء أن يراجعوا ضمائرهم، لكن الأيام الأخيرة كشفت عن خطلنا وهطلنا لأننا تصورنا أنهم يمتلكون ضمائر أو معايير مهنية أو حتى ذكاء سياسيا يخدمون به أسيادهم ببراعة، ولذلك لا أنشر الشهادة التالية من أجلهم، بل من أجل الطيبين أو اليائسين أو الزهقانين الذين تأثروا بحملات التحريض التى كان هؤلاء الإعلاميون يمارسونها أغلب ساعات اليوم قبل أن يتركوا مواقعهم لميليشيات القنص والبلطجة لكى تطلق الرصاص على العزل أثناء نوم الذين تأثروا بتلك الحملات الملعونة، ثم يصحو أولئك الإعلاميون والصحفيون فى الصباح لكى يشتموا الذين كانوا يتعرضون للقنص والاستهداف طيلة الليل لأنهم يرفضون دعوات الحوار.







الشهادة كتبها من قلب ميدان التحرير الدكتور نبيل بهجت، أستاذ المسرح بجامعة حلوان، والكاتب والمخرج المسرحى ومؤسس فرقة ومضة، كما أنه الذى قام بجمع الأعمال الكاملة لشاعر الشعب بديع خيرى، والشاعر المصرى العظيم يونس القاضى، ويقوم حاليا بجمع الأعمال الكاملة لبيرم التونسى، هذا إذا كتب الله له النجاة من المذابح التى ترتكب كل يوم ويقوم الإعلام بالتعتيم عليها، وبرغم كل ما يمارسه الدكتور نبيل من أنشطة فنية وثقافية رفيعة فإنه فى لحظة الحقيقة انحاز إلى شعبه وأدرك أن الوجود فى ميدان التحرير دفاعا عن مطالب الشعب المصرى العادلة هو جوهر الثقافة والفن معا، وأن المثقف التنويرى ليس هو الذى يقبل أن يكون صاحب منصب يصعد به على جثث الشهداء كما فعل الدكتور جابر عصفور، بل المثقف التنويرى من ينشر البهجة فى قلب الخوف، ويقاوم الهمجية بالفن.
يقول الدكتور نبيل بهجت فى شهادته الخطيرة التى نتمنى أن نضمها قريبا إلى وقائع التحقيق فى المحكمة الجنائية الدولية: ما حدث يوم الخميس الثانى من فبراير عام ٢٠١١ ضد المصريين المتظاهرين سلميا فى ميدان التحرير وسط القاهرة هو جريمة بشعة استندت إلى مخطط شيطانى نقدم لكم هنا توثيقا لها. فى مساء الثلاثاء توقع البعض أن ينخفض عدد المتظاهرين فى الميدان نسبيا بعد مسيرة المليون التى وصل تعدادها إلى ما يزيد على الخمسة ملايين تقريبا، وبالفعل جاء الأربعاء لينخفض العدد ونفاجأ عند الصباح ببعض الأشخاص يقفون عند بوابات الدخول يهتفون لمبارك ولقد شعرت بالأسى عندما تأملت وجوه مؤيديه وأشكالهم، وأدركت كيف سكب الماء على جبل من الرمل يدعى تاريخه عندما استعان بهولاء المأجورين لكى يمثلوه، مر اليوم وبدأنا نسمع فى الثانية عن أنباء تجمع لبضع مئات عند ميدان عبدالمنعم رياض،
كنا فى البداية نظنهم جاؤوا للتظاهر والتشويش، ولكنهم بدأوا الاحتكاك بنا بالسباب، وتلا ذلك فى تمام الثانية والنصف تقريبا جلبة وأصوات قرع سياط وفوجئنا بالبلطجية فوق الخيول والجمال يحملون السنج والسياط والعصى، لتعود الهجانة التى كنا نراها فى الأفلام وهى تضرب الناس بالسياط، نالنى أحد سياطها، ولكن بعد فترة وجيزة سيطر الشباب على أحد هؤلاء وأخذوا منه حصانه فدب الخوف فى قلوب رفاقه وتراجعوا، هكذا كان المشهد الأول من الاحتكاك المباشر، احتمى الشباب بعدها ببعض العربات واضطروا لكى يصنعوا من ألواح الصاج التى كانت تستخدمها المقاولون العرب فى موقع البناء حائطا متحركا لصد هجوم بلطجية الرئيس الذين جاؤونا مؤيدين بالسنج والجنازير والسياط والأسلحة البيضاء.
بعد هذه الهجمة تراجعوا وتجمعوا ليوحدوا صفوفهم وكأنها الحرب، وتشكلت لدينا الخطة سريعا فنحن عزل ولابد لنا من دفاع عن النفس، وأوحوا إلينا بالسلاح عندما أخذوا يهاجموننا بالحجارة، إنها الحجارة، فلم يكن لنا بد لكى ندافع عن حياتنا سوى استخدام بلاط الميدان وتكسيره إلى قطع صغيرة بعد تشكيل مجموعات عمل سريعة لتكسير البلاط وأخرى لحمله ودفعه للرماة، وفريق استطلاعى يرصد تحركات مجموعات مبارك، وأخرى توزعت على المنافذ السبعة للميدان على مستويين يفصل بين كل منها قرابة ٣٠٠ متر.
كل هذا حدث فى أقل من لحظات، بدأ الشباب يتراصون فى صفوف متتالية، يحضن بعضه البعض بصدور عارية، وكأنها قصيدة الكعكة الحجرية لأمل دنقل تتشكل أمامى واقعا بيد الشباب المعتصمين. بدأ الوقت يمر علينا وزحف الظلام فكانت الفكرة الأولى استدعاء الناس إلى الميدان، لكن كيف وحظر التجول قد بدأ فرضه من الثالثة عصرا وحتى الثامنة صباحا، لم يكن لدينا خيار سوى الدعم المعنوى لبعضنا البعض فأخذنا نشيع عن وجود مظاهرات مؤيدة تزحف إلينا وبالفعل حدثت مسيرة داخلية لتقنع المرابطين بأن المدد وصل وارتفعت معنويات الناس وبدأنا فى وضع المتاريس لحماية أنفسنا منهم، فقد بدا عليهم احتراف الإجرام لما يحملونه من سنج وسيوف ومطاوى كانت فى أيديهم ساعات الهجوم وهتفنا جميعاً (...اتجنن).
كان الاشتباك الأول عند ساحة المتحف وللأسف بدأ فعلا بالإضرار بأطرافه التى تم إلقاء قنابل المولوتوف عليها، ذهبنا إلى الجيش لنناشده حماية المتحف من هؤلاء، فبدأ الجيش حماية شوارع الجامعة الأمريكية وطلعت حرب وقصر العينى بشكل ساعد المتظاهرين على تخفيف الضغط عليهم. بدأنا ننتقل من شارع إلى آخر، وشاهدت بسالة لم أر لها نظيرا، كان البعض يطرق على الحديد ليحدث أصواتا كإشارات لتجمع الشباب عند منفذ معين، وكأنهم يوقظون الموتى من جديد ينفخون فيهم الروح، يقولون ها نحن أبناؤك يا مصر جئنا إليك نجدد ملحمة، وفى الوقت الذى كنا نعانى تحت الضغط ونبتكر الحيل لدفع البلطجية عنا، بعد أن أنهكنا التعب، كان هناك مذياع يذيع أحاديث الإذاعة الرسمية البالية عن دعاة الشغب، كان الإعلام الرسمى يقول بكل وقاحة ان الموضوع يتلخص فى مجموعتين من البلطجية تتصارع على الميدان، وكان بعض المراسلين فى البرامج الفضائية يضللون الرأى العام ويزعم بعضهم أن بيننا إيرانيين وأفغان وباكستانيين، مع أنه لم يكن بيننا من أجانب إلا بعض مراسلى وكالات الأنباء الأجنبية فمن أين جاؤوا بالحديث عن تلك الوجوه، قال الكثيرون فى تلك الوسائل الإعلامية إننا إخوان فى الوقت الذى كنت أرى بعينى وسط المعتصمين مثقفين وفنانين وأساتذة جامعة أعرف مواقفهم ضد الإخوان، كل هذه الاكاذيب كانت محاولة منهم لتجييش الرأى العام العالمى ضدنا باستخدام الإسلاموفوبيا لتعطيهم أمريكا إشارة بسحقنا، وللأسف فإن برامج شهيرة وصحفاً كنا نظنها محترمة غيرت من لهجتها فى دعم ثورة الشباب، وهو ما يجعلنا نتساءل هل فعلا تم تهديد ملاك تلك القنوات والصحف بفتح ملفاتهم فحدث ما حدث من تخاذل وانحياز.
لقد وصفنا الإعلام الرسمى بالبلطجية فهل عضو المجلس الأعلى للثقافة وعضو اتحاد الكتاب وعضو نقابة المهن التمثيلية والأستاذ الجامعى والمسرحى بلطجى، والطبيب الذى كان بجوارى بلطجى والشاعر الذى لم أره منذ سنوات وتقابلنا سويا ونحن ننحنى لالتقاط الأحجار بلطجى، ومدير إحدى أهم شبكات المعلومات بلطجى، وأعضاء هيئة التدريس بلطجية، والمهندسون والأزهريون والقساوسة والمحامون والأطباء الذين جهزوا مراكز لإسعافنا بلطجية، وشباب الجامعات بلطجية. ولماذا صمتوا عن بلطجية الرئيس الذين استخدموا ضدنا أمس قنابل المولوتوف والقنابل المسيلة للدموع .. وفريق من الهجانة وأخيرا الرصاص الحى، كان بلطجية الرئيس قد كسروا أبواب العمارات المغلقة المواجهة للمتحف المصرى واستخدموها لإمطارنا بقنابل المولوتوف والحجارة، ولكننا كنا مصرين على الصمود والدفاع عن أنفسنا، وبعد فترة تمكنا من التقدم والقبض على البلطجية المتمركزين فوق العمارات وتم احتجازهم دون إيذائهم، وسيطر المتظاهرون على كل المواقع التى استولى عليها بلطجية الرئيس من أسطح المنازل، واحتجزنا منهم ما يقارب من ١٥ فرداً، وكان مثبتا فى بطاقات هويات بعضهم أنهم رجال أمن، أما الآخرون فكانوا من البلطجية معتادى الإجرام، حتى أنه كان واضحا جدا أنهم قد تناولوا مواد مخدرة أثرت على وعيهم بشهادة بعض الأطباء الذين تواجدوا بالميدان، واعترف هؤلاء بأنهم قد تم تأجيرهم من قبل بعض نواب مجلس الشعب بوجبة غذائية وبمبالغ تتفاوت بين خمسين ومائتى جنيه، وقد أخذنا بعض الدراجات البخارية لهؤلاء فاعترف بعضهم بالاستيلاء على إحدى الدراجات البخارية التى تنتمى للحرس الجمهورى وعلى عربة شرطة.
بعدها اشتدت المواجهات واستطاع المتظاهرون تطهير ميدان التحرير من أعوان مبارك من أمناء الشرطة والمرتزقة والسيطرة عليهم، وكنا إذا سيطرنا على أحدهم بعد نفاد ذخيرته تعلو الصيحات من بيننا (محدش يضربه ثورتنا ثورة سلمية سلمية)، حتى بعد أن سقط منا البعض بالرصاص الحى الآتى من فوق الكوبرى كان بعضنا يلتف حول من يقبض عليه منهم كسياج لحمايتهم من الغاضبين، ونتيجة لهذه الهجمات بالرصاص والمولوتوف وقع مئات الجرحى من المتظاهرين، ولم يعد المستشفى الميدانى الذى أقيم فى أحد المساجد القريبة كافيا لاحتواء المرضى وعشرات الأطباء المتطوعين، فقام الأطباء بإقامة مستشفى ميدانى فى قلب مكان المواجهات بجوار المتحف المصرى. وبعد ١٢ ساعة من المواجهات، فر الهاربون منهم فوقفوا على كوبرى أكتوبر بمواجهة عبدالمنعم رياض، وحوالى الساعة الثالثة صباحا دوت أصوات عدة طلقات قبل أن تصيب العزل، فهرول المتظاهرون يحملون المصابين بالأعيرة النارية فى الرأس والبطن والأقدام، وبعدها سمعنا طلقات نارية على أوقات متفرقة إحداها طلقات متتالية ربما يكون مصدرها رشاشاً آلياً، وفى تلك اللحظة توجه المتظاهرون لكتيبة الجيش التى كانت تتمركز عند المتحف ولم تبد أى استعداد للتدخل عدا إطفاء بعض الحرائق التى كانت تشعلها قنابل المولوتوف التى كان يلقيها أنصار مبارك من أسطح الأبنية ومن كوبرى أكتوبر، اتجه بعضنا إلى هذه الكتيبة وبدأوا بالتفاوض معهم ليطلقوا ولو طلقة واحدة فى الهواء، وصرخ فيهم البعض أعطونا أسلحتكم نحميكم ونحمى انفسنا، هنا تدخل الجيش بعدها وسيطر نسبيا على الموقف بعد ان أصابت طلقات مؤيدى مبارك حوالى ٢٢ فرداً سقط منهم قرابة ٦ شهداء وظلت فلول منهم تحاول إنهاكنا بالإشارات البذيئة تارة أو بقذف الحجارة وكنا نعلم أنها محاولة لإنهاكنا، فهم كما تأكدنا من هويات الذين قبضنا عليهم ليسوا سوى رجال أمنه الذين أخفاهم فجأة وعادوا إلينا فى زى مؤيديه.
لقد سطر الشباب بدمائهم يوم الخميس يوما بطوليا من بطولات هذا الشعب الذى حاول مبارك وأعوانه طمس ملامحه على مدار ٣٠ عاماً، كان الشاب يُجرح فيذهب إلى إحدى نقاط الإسعافات الأولية يداوى نفسه ويستريح دقائق يجفف دماءه ويعود بعدها للمواجهات، لم يخرج أحد منا دون جرح وكنا نسخر ونقول (من غرزة لعشرة متعتبرهوش مجروح) لم يؤثر فى نفسنا إلا قتل بعض المتظاهرين بدم بارد عندما أطلقوا الرصاص الحى على صدورهم ورؤوسهم. أخيرا استقبلنا الفجر وكأنه زائر عزيز وجاء نور الصباح ليملأنا أمل بأن المتظاهرين سيأتون إلينا وقد وفينا لهم ولمصر بوعدنا أن أعوان مبارك لن يأخذوا الميدان إلا على أجسادنا. بدأنا نراهم وكأنهم نبضات أمل تأتى إلينا يحملون معهم طعاما ودواء وكل ما نحتاجه، جاؤوا ليتسلموا مواقعنا وقد وفينا لهم بما وعدنا ونشير إلى جروحنا فى سخرية ويردد بعضنا (هذا هو مفهوم مبارك للانتقال الآمن للسلطة)، ليجىء الصباح ومعه نداء واحد (حاكموا الذين أطلقوا الرصاص على الأبرياء، ومن أمرهم بذلك، ومن سكت على ذلك).

مصر يا حرة وأبيه

 
يا صباح الخير بلادى
فى الجبال و كل وادى
قاهرة وإسكندرية
و السويس لما تنادى
*******
مصر يا حرة وأبيه
يا صبية ويا عفية
جم ولادك دقوا بابك
جاى يضحى بروح رضية
*******
كنا بنقول دا الصغير
لأ دا واعى جاى يغير
راح على التحرير يقولها
لأ لظالم لا لمزور
*******
الشباب الأسمرانى
قال دى أرضى و دا زمانى
جاى أزرع فى بلادي
و اجنى زرعى الأخضرانى
*******
المرض جهل وبطالة
محسوبية و العمالة
كل دا والحلم عايش
والأمانى مش محالة
*******
قوم يا شعب و صون حقوقك
صرخة الحرية طوقك
كمِّل المشوار وواصل
فِكْرك الواعى شروقك
*******
قولها كلمة وبكرامة
دم أخوك علِّم علامة
انتصر له طفِّى نارة
قول يا ماضى بالسلامة
*******
اوعى لا يخونك حصانك
بالأصول حقق قرارك
الرئيس لو كان هيرحل
برده حارب يوم و صانك
*******
الوفاء و العفو شيمتك
دا انت مصرى من شهامتك
كلنا بيصيب و يخطأ
بس مش ترجع لصمتك
*******
لو ركبت الموجة آسف
بس كنت جبان و خايف
بس مصرى لى حلى
كنت غايب بس شايف

الأربعاء، 2 فبراير 2011

يامصر هانت وبانت كلها كام يوم

 
يامصر هانت وبانت كلها كام يوم
نهارنا نادي ونهار الندل مش باين
الدولة مفضلتش منها إلا حبة شوم
لو مش مصدق تعالي علي الميدان
عاين ياناس مفيش حاكم إلا من خيال محكوم
واللي هيقعد في بيته بعدها خاين
اللي هيعقد كأنه سلم الثانين
لأمن وقاله هما ساكنين فين
وصلت لضرب الرصاص علي الخلق في الميادين
حتى الجثث حجزوها اكمنهم خايفين
يامصر أصبحنا أحياء وميتين مساجين
فاللي هيقعد في بيته يبقى مش مفهوم
واللي هينزل الهي حارسه صاين
يامصر هانت وبانت كلها كام يوم
نهارنا نادي ونهار الندل مش باين
نهارنا نادي وبأيدينا علي فكرة
الصبح عنده فضول راح نعمل إية بكرة
إيده علي الباب وخايف يلمس الأكرة
ادخل ياأستاذ براحتك والبلد حرة
إحنا زهقنا نشوف الصبح من برة
ادخل وخرج بقايا العتمة من برة
الناس ديه حرة وجنود الأمن مضطرة
ياصبح طلعت روحنا لجن تيجي ياخي
طالعين نجبيها أهوا فى كل حارة وحر
حتى لو ضربونا بالرصاص الحي
شوف الميادين كدة مفروشة خلق وضي
دايما مفاجأة ودايما وقتها معلوم
الحكم لينا وليك الحق يامداين
يامصر هانت وبانت كلها كام يوم
نهارنا نادي ونهار الندل مش باين
ياصف عسكر بدل الدرع شيلوة اثنين
25 يناير ياشباب فاكرين
كان فيه انجليزووزير الداخلية تخين
كان عنده برده عساكر زيكم جامدين
سابهم يموتوا علولا لو سأل فيهم
كانوا شبهكم اساميكم اساميهم
ياعسكري البهوات اللي بتحميهم
ممكن يردوا عليك لما تناديهم
ياعسكري أنا أصلي بس بستغرب
لو لاقي تأكل وتشرب قوم ياعم اضرب
اضرب عشان الوزير من ضربتك يطرب
لكن هتشتغل اية لما الوزير يهرب
أما الشديد القوي القادر أبو القادر
برميل تلامة نشر علي مصر من الآخر
لو شفته معددة تكتب ادب ساخر
ثابت يقول للهرم ياكابتن اتاخر
ولم يزل معتقد ان الهرم هيقوم
ادي الحجر والبشر قايمين ياسيدي القوم
والدين هيترد ياللي عشت متداين
يامصر هانت وبانت كلها كام يوم
نهارنا نادي ونهار الندل مش باين
ده حكم أسرة ولا خوفو ولا خفرع
ولا وجع بطن يتعالج بزيت خروع
عمل مسوكر بعيد عنك ولايطلع
جربنا فيه كل شىء ملقينا شىء ينفع
منفعش بالأدوية جربنا ألف طبيب
ولا بعطارة شيوخ ليهم بلح وزبيب
ولا بجحفل مغولى وضرب بالقباقيب
عمل مسوكر وسفلي شغل تل أبيب
وشغل أمريكا متغلف وختمة عليه
ضيف زارنا ياعم من غير دعوة لابس بيه
قاعد 30 سنة ومبيقولش قاعد لية
والنية مديها لابنه النابغة بعديه
ويقول قضا وقدر بين البشر محتوم
قولناله طيب ومين قال للقدر معلوم
واش عرفك يافخمتك بالذي كان
يامصر هانت وبانت كلها كام يوم
نهارنا نادي ونهار الندل مش باين

الاثنين، 24 يناير 2011

اقرأ وتأمل


فى سنواته الأخيرة كان الطاغية التونسى الحبيب بورقيبة يخلط بين الواقع والتمثيل وبين الجد والهزل.. ومع الأيام بدأت عوارض هستيرية تظهر عليه، فقد أصبح يمر من حالة النشوة والضحك إلى حالة من الحزن والبكاء دون أن يكون بإمكانه أن يحبس دموعه بسهولة، ومن حالة المرونة والأريحية إلى حالة عدوانية قصوى يستعمل فيها كلمات جد مبتذلة حتى أمام وزرائه وضيوفه، فمرة سمع يقول لأحد وزرائه »كان بن صالح ينكح كل نساء وزرائى، فلماذا لا تفعل مثله وأنت عازب«، أما فى اجتماعات المكتب السياسى فقد كان يمسك بعصاه ثم يأخذ فى الدوران حول الطاولة ومن حين لآخر كان ينقر رأس أحد وزرائه، وكانت تزداد عدوانية بورقيبة حين يلتقى بالنساء، ففى إحدى المرات وقفت أمامه صحفية وسألها عن اسمها فقالت: حليمة، صمت لحظة ثم التفت إلى مساعديه وقال بلا خجل مشيراً بيده المرتعشة إلى صدرها: أنا أعرف حليمتين، الأولى مرضعة الرسول والثانية هذه السيدة التى يمكن أن ترضع شعباً بأكمله.
ـ فى آخر اجتماع لبورقيبة مع مجلس وزرائه فى الأول من أكتوبر 1987 انفجر شلال السب والشتم من فم بورقيبة باتجاه رئيس وزرائه رشيد بوصفر قائلا له »هل تظن نفسك أنك الزعيم أو أنك تظن أن الزعيم مات؟«، ثم واصل شتمه فوصفه بالنذل والخصى والمخنث، ثم قال له »إننى مازلت قادرا على نزع سروالك«، ثم أضاف: »هل ترى هذه العصا، سوف أضعها فى مؤخرتك، أنت لست رجلا«، وقبل أن يتعب بورقيبة من الصراخ، كان بعض الوزراء قد تسللوا إلى الخارج من فرط الحياء منهوكى القوى والكرامة وقد اكتشفوا أخيراً مدى هشاشتهم أمام ذلك العجوز، كما اكتشفوا أنهم ليسوا إلا شهود زور على قتل بلاد بكاملها. ـ عندما قرر بن على الإطاحة ببورقيبة طبقا للمادة الدستورية التى تفيد بوجود مانع مطلق يمنعه من الحكم تم استدعاء سبعة أطباء فى وسط الليل منهم عسكريان، ليس إلى قصر بورقيبة وإنما إلى وزارة الداخلية حيث التقوا بـ»بن على« الذى طلب منهم وضع تقرير طبى عن عدم قدرة الرئيس صحياً على الحكم، واحتج أحدهم بأنه لم ير بورقيبة منذ سنتين، فرد الجنرال صارما »هذا لا يهم، وقع«، ووقع الأطباء وانصرفوا.
ـ بعد عزله وتحديد إقامته فى قصره بعد 31 سنة من الحكم كان بورقيبة من أجل كسر الملل يلجأ إلى الهاتف فيطلب أرقاما كيفما اتفق وما إن يرد الطرف الآخر حتى يقول له »هل أنتم عائلة منسيترية؟ أنا الحبيب بورقيبة وأحب المنستير«، ثم يقفل السماعة، وقد اتصل مرة بالإذاعة المحلية غاضبا »أنا سبب وجودكم ولا تذكرون اسمى مرة واحدة«. كل الوقائع السابقة مجتزأة من كتاب بورقيبة »سيرة شبه محرمة« للكاتب التونسى الصافى سعيد والصادر عن دار رياض الريس. أما الوقائع التالية فقد اجتزأتها لك من كتاب (صديقنا الجنرال زين العابدين) للكاتبين الفرنسيين نيكولا بو وجان بيير توكوا، ترجمة زياد منى، والذى صدر عن دار قدمس السورية:
ـ فى أول سفر له إلى الخارج بعد توليه الرئاسة أدى بن على العمرة، وشوهد فى التليفزيون يقبل جدار الكعبة والدموع فى عينيه وكتفه عار تماما، وتبدأ أقل مداخلة له بالتعبير الدينى (بسم الله الرحمن الرحيم)، وأعلن »بن على« على الملأ »يتوجب على الدولة وحدها السهر على ازدهار الإسلام وتألقه«.. لقد لعب النظام ببراعة على تناقضات شعب منقسم بذاته، وشهدنا خلال تراجع الإسلاميين إدارة براجماتية وذكية للإسلام. ـ حتى الوثائق المدرسية لـ»بن على« فى ثانوية سوسة اختفت بعد بضعة أيام من توليه الرئاسة.
ـ طالب تونسى اسمه مروان بن زينب كان مهتماً بالمعلوماتية وغير مهتم بالسياسة أبدا، عمره ست وعشرون سنة حصل على منحة جامعية فى أمريكا الشمالية، دخل سهواً على النظام المعلوماتى للقصر الرئاسى، وبعدها باح خائفا للمقربين منه أنه وجد قائمة عملاء للموساد معتمدين فى تونس العاصمة لمراقبة المسؤولين الفلسطينيين المقيمين فى تونس، بعدها بأيام مات مروان فى حادث سير، وفى يوم دفنه لازمت الشرطة عائلته حتى يتم الدفن، كان ذلك فى عام 1989 بعد عامين من التغيير.
ـ عندما انتقد وزير الثقافة السابق محمد شرفى أمام خمسة من ضيوفه فى منزله سياسات بن على استحق بعدها بأيام فى عام 1995 أن تنشر صحيفة حكومية قائمة نفقات ضخمة يعلوها الغبار يعود تاريخها إلى فترة شغله منصب الوزارة تحت عنوان (انظروا أين تذهب أموال أولادنا؟).
ـ عندما علم بن على أن شقيقة ميتران كانت تعيش من مواردها الخاصة اندفع قائلا »لن أترك هذا يحدث لأفراد عائلتى أبدا«.
ـ فى عام 1997 نشر ملحق مجلة »لو نوفيل آفريك آزى« الأسبوعية صورة قديمة لرئيس الدولة يظهر فيها بشعر وخطه الشيب، نجم عن ذلك إتلاف نسخ المجلة، فالجنرال الذى لا يأنف من اللجوء إلى الصبغة، لا يستطيع إلا أن يكون ذا شعر داكن على نحو متناسق.
ـ عرف بن على كيف يستغل الوضع الدولى، خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر، على أساس أنه يقود منذ التسعينيات نضالاً ضد الإسلاميين، ويدافع عن النور والديمقراطية، وها هو يحتفى به كأحد أكثر رجال السياسة وعياً فى العالم العربى، كم كان عليهم أن يسمعوه بدل أن ينتقدوه، هكذا يهتف مادحوه، بعد أحداث سبتمبر نبشت الصحافة التونسية مقابلة قديمة منحها بن على لصحيفة نمساوية موضوعها (يجب اجتثاث الإسلاميين، وهذا ما قمت به فى بلدى، انتقدتمونى، ترون اليوم أنى كنت على حق). وبالتالى بدأت الصحف الغربية والمسؤولون الغربيون يتحدثون عن أن الديمقراطية لا تولد بين عشية وضحاها وأنها تحتاج إلى وقت لكى تتحقق.
ـ فى نهاية 2001 كتب الصحفى توفيق بن بريك فى كتابه (مذكرات الواشى) يقول: بن على هنا وسيبقى هنا لأن أمامه طريقاً ممهدة، معارضة سخيفة مجزأة إلى مجموعات صغيرة لا جيش لديها ولا مشروع، زعماؤها هم شركاء سابقون، ومثقفون من نوعية غير جيدة.. واستغرق الأمر عشر سنوات حتى يسقط بن على.
ـ عندما كان المراقبون الغربيون يتساءلون لماذا تندر حالات الإضراب عن الطعام فى السجون التونسية وجدوا تفسيرا فى رسالة من طبيب شقيق معتقل فى سجن تونسى أرسلت إلى صحيفة فرنسية فى عام 1998 كشف فيها أنه عندما يبدأ سجناء الرأى فى الإضراب عن الطعام، يقوم الحراس فى اليوم الثالث للإضراب بتقييدهم وإعطائهم حقناً شرجية فيها مواد دوائية مثل الفاليوم وعند الاستيقاظ لا يعود السجناء يتذكرون أنهم كانوا مضربين عن الطعام، وبهذه الطريقة ينهى إضرابهم.
ـ فى بدايات قمع الملتحين فى عام 1991 مات الطالب فيصل بركات، وهو طالب فى قسم الرياضيات كان قد طالب فى مقابلة متلفزة بالحرية النقابية، وتم إخبار أسرته أنه مات فى حادث سيارة لكن التشريح الطبى قال إن الوفاة ناجمة عن إدخال جسم فى الشرج، وهى ظاهرة نادرة للغاية فى حوادث السير، وحتى اليوم (2002) يتعرض شقيقه لملاحقة أعوان النظام كيلا يتقدم بشكوى هو أو عائلته.
 أما زوجة الناشط الإسلامى اللاجئ فى ألمانيا السيدة بوجريص، وهى أم لثلاثة أطفال، فقد انقض عليها ذات يوم حوالى عشرين شرطياً ونزعوا عنها ثيابها حتى عروها وأخذوا يكيلون لها الضربات على كل أجزاء جسمها وهم يشتمونها، ناعتين إياها بالساقطة، وهددوها بالاغتصاب إذا لم تقل كل ما تعرف عن زوجها، بعد ذلك استخدم رجال الشرطة الصدمات الكهربائية وعندما أغمى عليها توقفوا عن تعذيبها وأرغمت على طلب الطلاق من زوجها مرتين. هذا غيض من فيض حكايات موثقة دولياً عن ما كان يحدث فى عهد الطاغية بن على الذى تستضيفه المملكة العربية السعودية التى تحتضن الكعبة المشرفة وقبر الرسول عليه الصلاة والسلام.
ـ أخيرا قال الله تعالى فى كتابه الكريم »ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. مهطعين مقنعى رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء«، ولعل عظمة الشعب التونسى أنه لم يكتف بالانتظار حتى يأتى ذلك اليوم بل عمل بأوامر الله تعالى فسعى لتعجيل العقاب للظلمة فى الدنيا قبل أن يذوقوا العذاب المهين فى الآخرة.

الأحد، 23 يناير 2011

«أبوذر» يظهر أمام مجلس الشعب


«عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس حارقاً نفسه»، عبارة صادمة لا أدرى هل كان سيدنا «أبوذر الغفارى» سيقولها لو كان حياً بيننا الآن بدلاً من قولته الشهيرة «عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه»؟. ربما لم يقلها فقد كان رضى الله عنه رجلاً مؤمناً يعرف أن الانتحار يأس واليأس كفر، ولذلك لعله كان سيتمسك بشهر السيف بأشكاله الدستورية المعاصرة من إضرابات واعتصامات ومظاهرات وعمل سياسى وكلها بدائل أكثر فاعلية ونجاعة من حرق النفس.
 وبالتأكيد كان شيوخ الدولة سينعقدون بكامل هيئاتهم لكى يصدروا بياناً لإدانة منهج أبى ذر التحريضى، وشجب خروجه على الحاكم، ودعوته للالتزام بطاعة أولى الأمر بدلاً من إثارة البلبلة وتهييج الجماهير وإيقاظ الفتنة. لم يكن فى أيام أبى ذر مجامع حكومية للإفتاء، لكن كان هناك مستفيدون من الأوضاع القائمة، ومستغلون لأطهر النصوص فى خدمة أحط المقاصد، وأولئك هم الذين نفوا أباذر وحققوا فيه نبوءة سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم «يعيش وحده، ويموت وحده، ويُبعث يوم القيامة وحده»، وأمثالهم فى أيامنا هم الذين يتشطرون على الراغبين فى الانتحار حرقاً، ويصمتون عن الذين دفعوهم إلى الانتحار.
«هل أنا مع الانتحار؟».. سؤال ستعاجلنى به الآن، طيب يا سيدى، سأجيبك بحكاية، منذ عشرين عاماً كنت طالباً فى السنة الجامعية الأولى، مرت علىّ أيام وليال لم أكن أملك فيها قوت يومى بعد أن نفدت مدخراتى وتقطعت بى السبل، ومع ذلك لم أفكر فى الخروج على الناس حارقاً نفسى ولا شاهراً سيفى، لماذا؟ لأنه كان لدىّ أمل يعصمنى من الكفر، عشت ليلتين لا أجد ما آكله سوى أرغفة عيش قديمة وبرطمان ليمون معصفر وبرطمان عسل تجمد فى الشتاء دليلا على جودته، وكنت أعانى فى كحته بالمعلقة لكى أفرشه على سطح الرغيف، ومع ذلك كله كنت سعيداً جداً لأن جدتى أعطتنى البرطمانين قبل نزولى من الإسكندرية إلى القاهرة وإلا لكنت ربما قد لجأت إلى التسول إسكاتاً لوحش الجوع، لماذا لم أفكر فى الانتحار يومها؟ ببساطة لأننى اخترت تلك الحياة القاسية بمحض إرادتى، تركت العيش المحتمل مع أهلى وقررت أن أطارد أحلامى، نعم كانت لدىّ أحلام وأيضاً كان لدىّ راديو، ولا أظن أن أحداً يستمع إلى إذاعتى البرنامج العام والشرق الأوسط يمكن أن ينتحر.
كلامى كئيب؟ طيب خذ عندك تفسيراً ألطف قليلاً، ربما لم أفكر فى الانتحار وأنا شاب مطحون لأننى جربته وأنا صبى بائس، الانتحار كان مرهقاً جداً، كنت فى التاسعة وقررت أن أهرب من تعاستى الأسرية بأن أبتلع كل ما يوجد من أدوية صلبة وسائلة كانت تشغل حيزاً كبيراً من (دولاب الأدوية) الذى كان ضرورة فى بيت مكتظ بالسكان، فعلتها وظللت أسفله ساعتين أنتظر الموت، لكنه لم يأت، وجاء مكانه مغص حقير تمنيت الموت لكى أرتاح منه ومن التأتيت الذى تعرضت له طيلة اليوم الذى استغرقته لغسيل معدتى، «عايز تموت كافر يا حيوان»، أمى قالتها لى وهى تحتضننى وتبكى، وأنا رددت عليها بما أمتلكه من معلومات دينية أحفظها وبكل ثبات لا يناسب التقطيع الذى تشهده معدتى «أموت كافر إزاى وأنا مابلغتش سن التكليف.. أنا كنت هاخش الجنة وأستريح»، لذلك ولذلك كله نصيحة من منتحر سابق: لا تجربوا الانتحار لأنه ليس مريحاً على الإطلاق فى حالة فشله.
عارف؟ قبل أيام وفى عز هوجة محاولات الانتحار التى أعقبت ثورة الشعب التونسى، طلب منى معد فى برنامج شهير أن أشارك فى حلقة يُفترض أن هدفها نصح الشباب بأن يتوقفوا عن التفكير فى الانتحار، المعد كان زميلاً لى فى الجامعة وزارنى مرة فى الشق الذى كنت أعيش فيه وقتها، العشم الذى بيننا جعلنى أشتمه وقلت له: «هل تتصور أننى يمكن أن أشارك فى دجل كهذا.. هل تريدنى أن أحدث الناس عن حرمانية الانتحار وعن حلاوة الأمل ثم أخرج من الاستديو لأركب سيارتى الفارهة وأعود إلى بيتى لآكل عشاء صحياً ثم أنام قرير العين»، لم أقل له هذا بالفصحى طبعاً، بل بعامية ممزوجة بشتائم يعاقب عليها القانون، والعشم الذى بيننا جعله يرد الشتيمة بأقذع منها قبل أن يسألنى: «طب ترشح مين يقول بقين حلوين عن الأمل واليأس؟».
الحكاية هكذا بالضبط، كل الذين يتحدثون الآن سواء بإخلاص أو بغير ذلك لا يقولون للناس سوى «بقين حلوين عن الأمل واليأس»، والمقرف أن الكل يتحدثون وكأن حكاية الانتحار سخطاً اختراع تونسى ابتكره المرحوم بإذن الله بوعزيزى وسمع به المصريون فجأة، والكل ينسى أن من لم يهزه انتحار عبدالحميد شتا فلا خير فيه.
ياه، أعرف أن النسيان آفتنا جميعا، ولكن أرجوكم لا تقولوا لى إنكم نسيتم عبدالحميد شتا، باحث الاقتصاد والعلوم السياسية، المجتهد الطموح، الذى انتحر لأنهم حرموه من كذا وظيفة مرموقة بوصفه «غير لائق اجتماعياً»، لأنه ببساطة «ابن ناس غلابة» يعيش فى بلد الثورة المجيدة، ثورة يوليو التى قام بها أولاد الفلاحين والعمال من أجل أن يصبح أولادهم بهوات لا يجرؤ ابن فلاح أو عامل على أن يحلم بحب إحدى بناتهم كما كان يحلم ابن الجناينى بإنجى.
انتحر عبدالحميد شتا، وهاجت الصحف على سيرته بضعة أيام أو قل بضعة أسابيع، ثم ماتت سيرته وماتت معها أسئلة خطيرة لم يكن ينبغى أن تموت أبداً: من الذى يحصل على أهم الوظائف فى الدولة، وهل مازالت هناك أماكن مرموقة تحت الشمس لابن فقير أو بسيط دون أن يلتحق بخدمة الأسياد أو يحصل على مباركتهم وزقة منهم، وأى سلم اجتماعى الذى نشأ فى مصر طيلة الخمسين عاماً الماضية؟، وإلى أى هاوية هبط بنا هذا السلم؟، وهل بات علينا ألا نكتفى بأن نحلم بالعودة إلى أهداف الثورة التى نحتفل بها كل عام، بل نوسع نطاق الحلم ليمتد إلى أيام ما قبل الثورة المجيدة عندما وصل إلى زعامة الأمة ابن نجار بسيط اسمه مصطفى النحاس ليصبح نداً للباشوات والإقطاعيين قبل أن يصبح قائدا لهم بمجهوده وكفاءته وتميزه وليس بانتخابات مزورة أو صدفة عبثية.
أذكر أننى بعد رحيل عبدالحميد شتا كتبت معالجة سينمائية عن قصته الحزينة وأسميتها «غير لائق اجتماعيا»، وظللت لمدة ثلاث سنوات أبحث عن فرصة إنتاجية لها دون جدوى، وكانت الجملة الوحيدة التى أسمعها من الجميع «ياراجل حرام عليك.. الفيلم غامق وماحدش هيخش يشوفه». طبعاً، صح، أعترف أن الفيلم غامق، ولن يكون أحد مضطراً للدخول لرؤيته فى دور العرض، لكن المشكلة أنه لم يعد فيلماً على الإطلاق، بل أصبح واقعاً لا تستوعبه أى دار عرض مهما كان اتساعها، الفيلم أغمق مما نتصور، ولا تنخدعوا بالالتباس الذى رافق قصة أو قصتين من قصص الراغبين فى الانتحار، ولا يخدعكم أنها كانت هوجة وستعبر فى ظل شعب يحب الحياة ويرضى بأى شكل من أشكالها، فالقادم أسوأ بكثير، ولن يكون انتحارا احتجاجيا بل سيكون مجتمعا يأكل بعضه بمليون طريقة وطريقة، ويخطئ كل من يتعامى عن هذه الحقيقة التى ينبغى أن تخيف الجميع أغنياء وفقراء.
لست محتاجا إلى فتوى شيخ لكى أعرف أن الانتحار ليس حلا ولا حلالا، لكنك عندما تشاهد على شاشة التليفزيون صوراً للشارع الذى خرج منه الشاب الإسكندرانى الذى انتحر حرقاً، وهو يطفح بالمجارى حتى حواف أبواب بيوته وينضح بالبؤس والتعاسة، تسأل نفسك لماذا قرر ذلك الشاب أن ينتحر بدلا من أن يأخذ كل من يعيشون معه فى ذلك الشارع البائس ليرموا أنفسهم وعيالهم وحالهم وهمهم أمام باب محافظ الإسكندرية لكى يجبروه على منحهم حقوقهم فى حياة آدمية كريمة، هل كانت الحكومة ستقتلهم جميعا، أو حتى هل كانت ستحبسهم جميعا، بالطبع لا، هم ببساطة لم يفعلوا ذلك لأن كل أبواب الاحتجاج السلمى تم تخويفهم منها، لأن هناك من قتل السياسة فى هذا البلد ظناً منه أن ذلك سيحقق الأمن لأسياده وشركائهم، لأن سكان ذلك الشارع لم يسمعوا عن أبى ذر الغفارى، فهو ليس محبوبا لدى المتشددين الذين فتحت لهم الحكومة أبواب المجتمع مشرعة لكى يعبثوا بعقول الناس، وليس محبوبا لدى المنبطحين الذين حولوا الدين إلى وظيفة يأكلون منها الشهد.
حسنا، المنتحر سيذهب إلى النار، شكرا يا مشايخنا الأجلاء على المعلومة القيمة، ولكن يا ترى هلّا أجبتمونا إلى أين سيذهب الشيوخ الذين يصمتون على ظلم الحكام واستبدادهم وفسادهم، وإلى أين سيذهب الحكام الذين يدفعون ببلادهم إلى التخلف والتطرف والجهل، إلى أين سيذهب اللصوص الذين يثرون من مناصبهم ثم يعلنون محبتهم لمصر ويدعون إلى عمل الخير، إلى أين سيذهب المنافقون والظلمة والجلادون، إلى أين سيذهب الذين يعذبون الناس بالكهرباء والذين يستبيحون حرمة البيوت والذين يقمعون المتظاهرين والذين يفسدون فى الأرض بعد إصلاحها والذين يزوّرون الانتخابات والذين ينشرون الجهل والذين يمسخون روح الفقراء والذين يصنعون فى كل بيت تاجر مخدرات ومدمناً وبلطجياً وفتاة ليل ومنتحراً بوسيلة أو بأخرى، هل سيذهبون إلى الجنة يا حضرات المشايخ؟
كل الكلام أرخص من معاناة الناس، ما الذى سيعنيه هذا الكلام لدى شاب فقد الأمل؟، لا شىء، حتى الذين يقرأون كلامى الآن هم مثلى أناس لديهم أمل ما، وإن بدوا يائسين، لو لم يكن لديهم أمل ولو ضئيل لما اشتروا الصحيفة أو حتى دخلوا إلى موقعها الإلكترونى، ببساطة كلنا بنكلم بعض، كلنا نفضل أن نقول «بُقين حلوين عن الأمل واليأس» مع أننا جميعا نعلم أين مشكلتنا، لكن بعضنا أجبن من أن يواجهوا أنفسهم بالحل.. طيب ما هو الحل، يمكن أن أقول لك على رأى النكتة الشهيرة: بسم الله الرحمن الرحيم: الإجابة تونس، لكن تجارب الشعوب لا ينفع معها «الكوبى والبيست» للأسف الشديد، ومع ذلك فالإجابة الوحيدة التى أعرفها أن هذه البلاد لابد أن تتغير، لأنه لا يمكن أن يكون المشروع القومى لهذه البلاد الآن هو إثبات أن الرئيس كان على حق طيلة الثلاثين سنة الماضية. باختصار حكام هذه البلاد لابد أن يرحلوا ويمنحوها فرصة جديدة، وإلا فإنهم باستمرارهم فى البقاء على كراسيهم يحاولون أن يمنعوا انتحار مئات من الشباب بينما هم يدفعون بلداً بأكمله إلى الانتحار.

الخميس، 20 يناير 2011

يبقى انت اكيد اكيد فى مصر


 يبقى انت اكيد فى مصر عندما تعلن جريدة الاهرام الصادرة يوم الثلاثاء ان رئيس الوزراء... سيقوم بزيارة مفاجئة لمصنع الحديد والصلب يوم السبت القادم يبقى انت اكيد فى مصر ... لما تكون بلد مسلمة ومش مربية للخنازير ومن اعلى معدلات الاصابة بانفلونزا الخنازير فى العالم يبقى انت اكيد فى مصر لما لاعيبة الكورة ياخدوا ملايين ومرتب الدكتور 400 جنيه يبقى انت اكيد فى مصر لما عدد السياح اللى بيزوروا الاهرامات المزيفة اللى فى امريكا 10 اضعاف السياح اللى بيزوروا الاهرامات الاصلية فى مصر يبقى انت اكيد فى مصر لما تلاقى جدك الله يرحمه اللى مات وانت عندك سنتين له صوت فى كشف الانتخابات وانت معدى 18 سنة وملكش يبقى انت اكيد فى مصر لما وزير الصحة مراته تتعالج فى مستشفيات غير مصرية وكمان على نفقة الدولة يبقى انت اكيد فى مصر لما بلد عندها نهر النيل بتقطع فيها المية كل نصف ساعة يبقى انت اكيد فى مصر لما يبقى السيطرة على الحريق معناه ان المكان ولع بالكامل يبقى انت اكيد فى مصر لما يبقى المسامير والصراصير من المكونات الرئيسية لرغيف العيش يبقى انت اكيد فى مصر لما المصريين بيزيدوا مولود كل 28 ثانية ومقدروش يغيروا رئيس كل 28 سنة يبقى انت اكيد فى مصر لما الحلول الاساسية لمشكلة الفتنة الطائفية تبقى باغنية مشربتش من نيلها ومصريين بجد وكلنا مصريين يبقى انت اكيد فى مصر لما يتحول البرادعى من بطل قومى وعالم جليل الى رجل خائن ومتربى بره ومش مصرى لمجرد اعلانه نيته الترشح فى الانتخابات يبقى انت اكيد فى مصر وفى النهاية لما قناة تونس تشغل برنامج فى اعماق البحار والمظاهرات مالية الشوارع والرئيس هرب هو وعيلته والبرلمان اتحل يبقى اكيد رئيس قناة تونس ده من مصر يا معلم...

الثلاثاء، 18 يناير 2011

ثورة يمامة


وقفت اليمامة تتحاور وتتساءل:
لم لا يزهو ويعتد بنفسه..؟!
فهو ملك الغابة..! ما أن يزأر، إلا لبت نداءه كل الكائنات الحية من شتى الأنحاء، وألحت فى السؤال:
لم نخضع له دون سواه..؟!
ماذا يميزه عنا..؟
أضخامة جسده..؟! أم حدة أنيابه..؟! أو لعلها شراسته..! ربما رجاحة عقله وحكمته..!!
رأته فى السلم يطلق أسرابا من طيوره لتردد نشيد السلام.. ووقت الحرب يرسل زواحفه تبث سمها بين طرفى النزاع.. احتارت فى أمره، فهو تارة يشجع السلام ويؤازره بكل جوارحه، وتارة يشعل نيران الحرب والفناء، فأمتلأ جسدها النحيل غيظا منه.. قررت أن تثير ثورة ضده.

انتقلت من غصن إلى غصن.. من طير إلى طير من حيوان لآخر.. تلقنه أفكارها.. تعبر عن رأيها.. تحثهم على المطالبة باختيار حاكم غيره.. مبررة عدم أحقيته السيطرة على حياتهم دون رغبتهم.. فليعط فرصة لغيره ..ربما ينجح فى توفير عيشة افضل لهم ..تبادر الى سمعه الأنقلاب الذى تقوده ضده..


طلب مقابلتها فى المكان والزمان اللذين تحددهما، ليستمع لها عن قرب ويتواجها.


دب داخلها شعور بالفرحة جعلها تحلق فى عنان السماء.. رسوخ إيمانها بما دعت إليه دفعها لاقتحام عرينه.. وما أن أدركته حتى انتفض ريشها خشية ورهبة أوشكت التراجع على أثرهما، وسرعان ما استمدت من حماستها قوة رفرفت بها جناحاها من جديد ودخلت إليه ملامسة سقف بيته شاهق الجدران.. بهرها تناغم الألوان والهدوء الذى يسكن المكان، فتلاشى توترها شيئا فشيئا..

وجدته شامخا أمامها.. تأملته بشجاعة.. ركزت على عينيه الواسعتين.. لمحت حزنا مستقرا فيهما.. دموعا متجمدة حائرة بين مقلتيه..علامات الأسى واضحة على جبينه.. ثم جلس مغمضا عينيه، مواريا جبروته، فتساءلـت:
- هل هناك شىء يفتقده ملك الغابة..؟! أم أنه يخفى بين طيات نفسه ضعفا عظيما؟ أو هى لحظة يرثى فيها من فتك بهم وشتت أشلاءهم..؟! ثم استهل حديثه مغلفا كلماته برقة وذوبة لم تعهدهما فيه من قبل..

- كل من حولى ينافقوننى.. لم يجرؤ أحد سواك أن يسقطنى عن عرشى الذى تربعت عليه منذ سنوات بعيدة.


- أعى تماما مدى إمكانياتى المتواضعة.. ولكن كلى ثقة أننى أتساوى معك فى ميزان الحياة.. بل وأتفوق عليك فى العديد من الجوانب.. رغم بروز ضآلتى، وعظمة سلطانك..!!


- كلماتك تحمل بين حروفها سخرية.. هجوما.. تحديا

- لأنك لا تملك غيرهم..تصور لك ذاتك أن الجميع يفكرون مثلك وتنظر اليهم من خلالك..!
- إنها طبيعة وهبنى الله إياها..كيف لى أن أبدلها..؟!
- منحك إياها كى تستغلها فى الدفاع عن نفسك وعن أفراد غابتك..لا فى البطش بهم..أو إزهاق أرواحهم، وإهدار دمائهم.
- الحياة صراع من أجل البقاء.!
- فلنستفت الجميع فى حبهم لى.. فى تأييدهم لمذهبى..لسياستى.
- كى يكون استفساء صحيحيا تنح عن منصبك أولا، لتعرف حقيقة مشاعرهم نحوك بلا زيف ..بلا خوف.
- هز رأسه موافقا، وقال:
- سأتنازل عن ملكى بإرادتى على أن أرشح نفسى من جديد مع منافسين أمثالك
- دون أن تهدد، أو تتوعد لمن لا يختارك..!!
- أعدك بعدم المساس بأى فرد..
علقت اللافتات فى كل ركن بالغابة..كل كائن حى بها اكتشف مقومات داخل ذاته جعلته يتطلع إلى المنصب.. جانب كبير بدأ ينحاز إلى اليمامة لما أحدثته من تغييرات شاملة وواضحة أحسها الجميع.. ارتفع عدد الأصوات المؤيدة لها..الكل ينتخب.. يختار حاكمه بحرية كاملة، عن اقتناع بضرورة تعبير كل فرد عن رأيه، كحق مشروع لكل واحد منهم.

حان موعد إعلان النتيجة..البعض يتوقع.. البعض الآخر يجزم بيقين على معرفته بالفائز حتى قبل أن تجرى الانتخابات..! واشتاقت الآذان لسماع أسم الحاكم الجديد ..جاءهم النبأ فى غضون دقائق معدودة .."الليث الأبيض".!! تهللت وجوه واكفهرت وجوه ..تمتم الحاضرون بكلمات مبعثرة.

- وصل إلى كرسى الحكم بفارق بضعة أصوات عن اليمامة..
- إنها أول معركة انتخابية شهدتها الغابة..!!

الأربعاء، 5 يناير 2011

امشوا يرحمكم الله


من قال لحكومتنا التعيسة إن شيخ الأزهر والمفتى ووزير الأوقاف لديهم أصلاً مصداقية عالية وشعبية جارفة فى أوساط المسلمين لكى تقرر أن يكونوا رؤوس حربتها فى معركتها مع الفتنة الطائفية؟. لماذا لم تسأل القيادة السياسية أجهزتها الأمنية عن حجم شعبية هؤلاء المشايخ فى أوساط المصريين المسلمين قبل أن تبعثهم ليتعرضوا للإهانة من شباب مسيحى طائش؟، هل تظن أنها يمكن أن تستفيد من هذه المكانات الدينية الرفيعة شيئاً يُذكر سواء بين المسلمين أو المسيحيين بعد أن ورطت أصحابها عبر السنين فى السكوت على تزوير الانتخابات وانتهاك حقوق الإنسان والتطبيع مع الصهاينة وبيع كل شىء بالرخيص؟
الآن تذكرتم أن هناك مكاناً اسمه الأزهر لابد أن تكون له مكانة وتأثير ودور؟، الآن تذكرتم أن الساحة يجب أن تخلو من أصوات المتطرفين الذين فتحتم لهم منابر المساجد والقنوات الفضائية على البهلى وجعلتموهم يُخصون قدرة الناس على التفكير والإبداع؟، الآن فقط تنتظرون نجدة من الأزهر ودار الإفتاء بعد أن أصبح أى شيخ يخطب فى جامع بمنطقة عشوائية أكثر تأثيراً وانتشاراً من كل مشايخ الأزهر ودار الإفتاء؟، الآن بعد أن حولتم شيوخ الأزهر إلى موظفين لا يمتلكون استقلالية ولا خيالاً تنتظرون منهم أن يبعثوا الدين الصحيح فى نفوس الشباب؟، هل تتوقعون أن الشباب الذى احتل التطرف فكره وعقله سيقشعر جسده من حديث الدكتور زقزوق الذى لا يبعث إلا على الرغبة فى النوم؟
اتقوا الله فى هذه البلاد، وجربوا سكة السلامة ولو لمرة واحدة، لقد فات الوقت على حلول المرحوم حسن الإمام يا سادة، احتضان الشيخ للقسيس كان مجدياً عندما كان عدونا واحداً، عندما كان عدونا خارجياً، أما الآن فبفضل سياساتكم الفاشلة المستبدة قصيرة النظر المتخبطة عبر عشرات السنين فقد صرنا أعداء لأنفسنا، لقد فعلتم بالمصريين ما لم تفعله بهم جيوش العدوان الثلاثى مجتمعة، كسرتم إرادتهم التى لم تنكسر أمام الأساطيل والطائرات والدبابات، هزمتم هذا الشعب من الداخل، جعلتموه شعباً يحتار فيه أطباء النفس وخبراء الاجتماع، وظننتم أن هناك استقراراً يمكن أن يحدث فى ظل شعب بلا تعليم ولا ثقافة ولا خيال ولا إبداع. إذا كان هناك حل يمكن أن نبدأ به ضمن حزمة حلول معقدة وطويلة المدى فهو بالضرورة حل سياسى يمكن تلخيصه فى كلمتين لا ثالث لهما: الدولة المدنية.
 ينبغى أن يكون الهدف القومى لمصر فى المرحلة القادمة، من أكبر رأس إلى أصغر رأس، هو استعادة المصريين جميعاً إلى حضن الدولة، نعم، الدولة، هذه الكلمة التى صارت ببركاتكم سيئة السمعة، نريد دولة لا يتحدث فيها قسيس باسم المسلمين ولا يتحدث فيها شيخ باسم المسلمين، نريد دولة تتحدث باسم الجميع، دولة تكفل حرية العقيدة للجميع، دولة يكون بها قانون موحد لدور العبادة ويكون فيها المسجد مقدسا كالكنيسة دون أن تجعله تلك القداسة مكانا فوق طائلة القانون، دولة لا يكون فيها للمسيحى ولا للمسلم وكلاء يتحدثون باسمه أو يأتون له بحقه، دولة يسودها العدل الذى هو أساس الملك، تلك الجملة التى يبدو أنكم لم تأخذوها أيام المدرسة، دولة تمنع التمييز بين المصريين على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو الثروة أو العِزوة، دولة تجعل الدين سلوكا لا مظهرا.
دولة تُعَلِّم أطفالها فى جميع مناهج التعليم كيف يُحيون روح الدين، ولا تطبق سياسات تزهق روح الدين والدنيا معا، وهى بالمناسبة دولة لن يصنعها أبداً محترفو انتخابات مزورة ولا أصحاب مصالح ضيقة ولا عديمو خيال ولا مهاويس سلطة، بل سيصنعها الشعب المصرى إذا أراد الحياة، وإذا أدرك أنه يقف على آخر مفترق طرق، وأنه لن يحصل على جنة السماء إلا إذا حاول أولاً صنعها على الأرض.
هذا الحل، أو حَلّ وِسطنا جميعا.